هذه جملة من الضوابط الفقهية تحت القاعدة السابقة كل منها يُمثِّل مَرجعًا ترجعُ إليه طائفة من المسائل.
قال الناظم رحمه الله:
[[19- وَالأَصْلُ فِي مِيَاهِنَا الطَّهَارَه *** وَالأَرْضِ وَالثِّيَابِ وَالحِجَارَه]]
الأصل: هو في اللغة: الأساس. ويطلق على ما يَنبني عليه غيره. وله إطلاقات، والمراد هنا: المُستصحَب، أي أننا نستصحب الحكم المذكور في الضابط حتى يرد ما يقتضي الانتقال عنه.
مياه: الماء معروف. قيل: هو جسمٌ رقيقٌ مائعٌ به حَياةُ كلّ نامٍ.
الطهارة: لغة النظافة والنزاهة عن الأقذار. وشرعا: صفة حُكميَّة. بحسب ما أضيفت إليه فطهارة الماء: صلاحيتُه للتطهُّر الشرعي والاستعمال الشرعي. وطهارة الثوب: صلاحيتُه للصَّلاة فيه ونحوه. قيل في حدها: إزالة الخبث، أو رفع حكمه.
الثياب: ما يلبسه الذكور والإناث، من منسوج وبز، كالإزَار والرّدَاء والقميص والعِمَامة والدّرْع والخِمَار.
الماء في الشريعة محكوم له بأنه طاهر في نفسه مطهر لغيره ما لم يرد ما ينجسه ويقتضي رفع هذا الحكم عنه. ودخل فيه: مياه الأنهار والبحار والعيون والآبار وغيرها.
وهكذا الأرض جبالها وترابها ورملها وحجارتها وما صعد عليها، وهكذا الثياب الأصل فيها الطهارة وعدم النجاسة.
الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48].
ومن السنة قوله ﷺ: عن البحر: «هو الطهور ماؤه».
ونقل الإجماعَ على ذلك غيرُ واحد.
ومن أدلة الأصل الثاني من القرآن، قوله: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13]، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة:29]. فإنَّ الامتنان يدل على الطهارة كما قرَّره ابنُ تيمية، وأن الأصل في الأعيان الطهارة فنبقى على استصحاب ذلك حتى يأتي ما يرفعُه.
ومن السنة قوله ﷺ: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورًا» متفق عليه عن جابر.
قال ابن عبدالبر رحمه الله: «والأصل في الأرض والثوب وجسد المؤمن: الطهارة حتى يستيقن حلول النجاسة في شيء منه ... وعلى هذا مذاهب الفقهاء».
وقد كان يُهدى للنبيِّ ﷺ الثياب فيَلبسها أو يُلبسها، وكانوا يَغنمون الثياب فيستفيدون منها ولم يأت دليل يوجب تطهير الثياب قبل لُبسها مع عموم الحاجة.
- إذا مرَّ ببئر أو بحيرة يتطهر منها ، أو وجد ماء من إثر مطر على صخور ونحو ذلك: يتطهر به.
- من أصابه ماء من ميزاب أو من شلَّال فيَبني على أصل الطهارة.
- حيثما حضرت المسلم صلاة يُصلي لأنَّ الأرض كلها يصلح الصلاة عليها إلا ما استُثني.
- مَن فصَّل ثوبًا أو اشترى بزًّا أو مخيطًا جاهزًا ولو مِن مصانع الكفار: يلبسها ويصلي فيها، أو يطوف فيها ولا يلزم أن يغسلها.
- من أُهدي له أو أُعطي ملابس فيبني على أصل الطهارة.
قال الناظم رحمه الله:
[[20- وَالأَصْلُ فِي الأَبْضَاعِ وَاللُّحُوْمِ *** وَالنَّفْسِ وَالأَمْوَالِ لِلْمَعْصُوْمِ
21- تَحْرِيْمُهَا حَتَّى يَجِيءَ الِحلُّ *** فَافْهَمْ هَدَاكَ اللهُ مَا يَـُمَلُّ]]
الأبضاع: جمع بُضع وهو فرج المرأة، والناظم يقول في الشرح يعني: وطء النِّساء.
اللحوم: أي الحيوانات والطيور الحلال المُباح أكلها التي تُذكّى وتُصَاد.
المعصوم: أي المحفوظ. عصَمه: حَفظهُ ووَقَاه. والمسلم معصوم الدم والمال والعرض لإسلامه وإيمانه بالله تعالى.
تحريمها: أي يحرُم التعرّض لها بسوء وأذى وإن قلّ، كما قال ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ». رواه مسلم عن أبي أمامة.
حتى يجيءَ الحل: أي صارفُ التحريم، فيجب أن نستصحب هذا الأصل فيها حتى يردَ الدليلُ الناقل عنه. كقتل القاتل، وقطع السارق وجلد القاذف ونحوه. فإذا ورد الدليل الناقل وجب الانتقال عن مقتضى الاستصحاب.
فافهم: الفهم: هيئة للإنسان بها يتحقّق المعاني. وقيل: تصورُ المعنى من اللفظ. والفقه: كمال الفهم. والذكاء: حِدّة الفهم وسُرعته. ولأهمية الفهم لهذا العلم يكرِّرُ الناظم الأمر به، والحرص عليه.
هداك الله: دعاء طيب من الناظم، وهو دليل حسن تربيته وعنايته ورفقه.
ما يمل: بالضم من الإملاء، أو بالفتح إشارة إلى صفة الملل، ففيه معنى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17].
أباح الله تعالى للمسلم أن يَنكح مِن النساء ما شاء إلا المُحرّمات وهنَّ معلومات بالأدلة الشرعية. وأباح اللهُ تعالى الأكلَ مِن لُحوم سائر ما يُذبح ويُنحر مِن بهيمةِ الأنعام وما يصادُ مِن الطير والحيوان إلا ما حرَّمه الشرع. ولكن لحلِّ وطء المرأة المعيَّنة وأكلِ لَحْم الحيوان أو الطير المعيّن ونحوها شروط لابد من توفرها، فليس حلها مطلقًا بل هو مقيد بشروط، وما لم يوجد شرط الحلّ أو شكَّ فيه لم تحل له تلك المرأة وذلك اللحم بعينه، كما لو تزوَّجها بدون ولي مع وجوده، أو سَمَّى على المذبوح اسمَ غير الله تعالى. وهذه الجملة موضع اتفاق بين العلماء.
والأصل في المُسلم عصمة دمه وماله وعرضه إلا بحق الإسلام. وهو مجمع عليه.
كثيرة منها قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} إلى قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24]، وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}. وقوله ﷺ: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ».
قال ابن المنذر: «وأجمعوا على تحريم أموال المسلمين، ودمائهم إلا ما أحل الله تعالى ورسوله ﷺ».
وقال القرطبي: «الأصل المتفق عليه: تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه».
قال الناظم رحمه الله:
[[22- وَالأَصْلُ فِي عَادَاتِنَا الإِبَاحَه *** حَتَّى يَجِيءَ صَارِفُ الإِبَاحَه
23- وَلَيْسَ مَشْـرُوْعًا مِنَ الأُمُوْر *** غَيْرُ الَّذِيْ فِي شَرْعِنَا مَذْكُوْر]]
في هذين البيتين أصلان مهمان من أصول الشريعة. وقد ذكر الناظمُ في الشرح أنه استفادهما من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية.
ومن تقرير الإمام ابن تيمية لهما قوله: «باستقراء أصول الشريعة نعلم أنَّ العبادات التي أوجبها الله أو أحبَّها لا يثبت الأمر بها إلا بالشَّرع، وأما العادات فهي ما اعتاده النَّاس في دنياهم مما يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى، ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إنَّ الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله وإلَّا دخلنا في معنى قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرَّمه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا} [يونس: 59]، ولهذا ذمَّ الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله، وحرَّموا ما لم يحرِّمه، وهذه قاعدة عظيمة نافعة».
عادات: العَادة: مشتقَّة من العَود وهو التكرار والرجوع، وتُجمع على عادات وعوائد، سُمّيت العادة بهذا الاسم: لأنَّ صاحبها يعاودها أي يرجع إليها مرَّة بعد أخرى. والعادة: ما لا يتقرَّب العبد ولا يتعبَّد به بذاته. قال ابن تيمية: هي ما اعتاده النَّاس في دنياهم مما يحتاجون إليه. وعرفها الناظم بقوله: العادات: هي ما اعتَاد النَّاس من: المآكل، والمشَارب، وأصناف الملابس، والذَّهاب، والمجيء، والكَلام، وسائر التَّصرُّفات المعتادة.
الإباحة: هي الإذن في الشيء فعلا وتركًا. والمباح: ما لم يتعلَّق به أمر ولا نهي لذاته.
حتى يجيءَ صارفُ الإباحة: يقصد أنَّ العادات الخالية عن حكمٍ منصوص عليه في الشرع يُستصحب هذا الأصل فيها وهو الإذن فيها حتى يردَ الدليلُ الناقل عنه. فإذا ورد الدليل الناقل وجب الانتقال عن مقتضى الاستصحاب.
مشروعًا: الشرع الإظهار والبيان، شرعه الله: أي أظهره وبيّنه. ومعناه الأصولي: ما فيه طلب أو إذن، فدخل فيه الواجب والمندوب والمباح بالشرع، ويطلق في مقابل ما فيه حظر ومنع.
الأمور: أي من الأقوال والأعمال والتصرفات وكل ما يقصد به التعبُّد والتقرُّب إلى الله تعالى.
قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا} [يونس: 59] ، وقوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، وقوله ﷺ: «مَن أحدثَ في أمْرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ».
بيَّن الإمام ابن القيم الفرق فقال «فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحّة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم.
والفرق بينهما: أنَّ الله سبحانه لا يُعبد إلا بما شَرَعه على ألْسِنة رسله، فإنَّ العبادة حقّه على عباده، وحقُّه الذي أحقَّه هو، ورَضي به وشَرَعه، وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرِّمها، ولهذا نعى الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين وهو تحريم ما لم يحرِّمه والتقرُّب إليه بما لم يشْرعه».
هذه القاعدة أصل عظيم في ردِّ التنطع والبدع والمحدثات.
قال ابنُ تيمية: «مَن تعبَّد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة؛ وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع باتفاق أئمة الدين فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب».
وقال رحمه الله: «العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع فإن الإسلام مبنيٌّ على أصلين: أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له. والثاني: أنْ نعبدَه بما شَرَعه على لسان رسوله ﷺ لا نعبده بالأهواء والبدع، فليس لأحد أنْ يعبد الله إلا بما شرعه رسوله ﷺ من واجب ومستحب لا يعبده بالأمور المبتدعة»
وقال ابن رجب: «كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود على عامله، وكل مَن أحدثَ في الدِّين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس من الدِّين في شيء.
فمَن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قُربة إلى الله: فعمله باطل مردُود عليه، وهو شبيهٌ بحالِ الذين كانت صلاتُهم عند البيت مكاءً وتصدية، وهذا كمن تقرَّب إلى الله تعالى بسماع الملاهي، أو بالرَّقص، أو بكشْف الرأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسوله التقرب بها بالكليَّة».
- يدخل في القاعدة كل البدع القلبية والقولية والعملية كالتقرُّب بصلاة الرغائب، أو إحياء ليلة النصف من شعبان، أو الاحتفال بالمولد، وصلاة الرغائب، والجهر بالنية، واستحباب ركعتين بعد السَّعي، وتخصيص يوم أو شهر بصيام لم يَرد فيه دليل من الشرع، والأذان بخير العمل، والإرسال في الصلاة حال القيام، والقنوت باستمرار في الفجر.
قال شيخُ الإسلام رحمه الله: «البدعة: ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات. كأقوال الخوارج والروافض والقدرية والجهمية وكالذين يتعبَّدون بالرَّقص والغناء في المساجد والذين يتعبَّدون بحلق اللحى وأكل الحشيشة وأنواع ذلك من البدع التي يتعبد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة».
- يدخُل في القاعدة كل تنطع نشأ عنه جعْل المباح بمنزلة المحرَّم أو المكروه في الشرع.